محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

151

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

إنّ تدخلنا الشخصي في العملية التفسيرية يختلف عن التيارات الثلاثة المذكورة من حيث إنه يريد تحقيق هدف مزدوج . فنحن أولا نريد أن نشتغل كمؤرخين محترفين من أجل بلورة تاريخ شمولي أو كليّاتي للمجتمعات المتولّدة تحت الضغط المباشر قليلا أو كثيرا للمعايير التوجيهية للخطاب القرآني « 1 » . ونقصد بالتاريخ الشمولي هنا التاريخ العميق للنظام الفكري ( الإبستمية ) والتاريخ السطحي للأعمال والمؤلّفات . ثم نهدف من جهة ثانية إلى إخضاع نتائج « أنتربولوجيا الماضي » « 2 » هذه إلى الفكر الفلسفي النقدي الذي يتأمل في المشاكل المطروحة في الحياة اليومية للمجتمعات التي لا تزال مجبولة أو متأثرة حتى الآن بظاهرة الكتاب الموحى . وقد حصل أن سورة الكهف التي تشتمل على ثلاث قصص مغروسة عميقا في الذاكرة الجماعية العتيقة للشرق الأوسط تتيح لنا أن نلخّص السمات الأساسية للتفسير التقليدي . ومن بين التفاسير العديدة التي ألفت منذ القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي ، نلاحظ أن تفسير الطبري ( ت 311 ه / 923 م ) وتفسير فخر الدين الرازي ( ت 606 ه / 1209 م ) يتمتعان بهيبة كبيرة لا تضاهى سواء لدى المسلمين أم لدى علماء الإسلاميات الغربيين ( أي المستشرقين ) . فالأول - أي الطبري - جمع عددا ضخما من الأخبار في كتاب عملاق موزّع على ثلاثين جزءا . ونقصد بالأخبار هنا الحكايات أو القصص ، ثم الأحاديث النبوية ، ثم المعلومات . وهي الأخبار التي كانت قد نشرت في النطاق الذي تمت أسلمته من منطقة الشرق الأوسط طيلة القرون الهجرية الثلاثة الأولى . إن كتاب الطبري يشكّل وثيقة من الدرجة الأولى بالنسبة لعلم التاريخ . ولم يتعرّض حتى الآن لدراسة أكاديمية موثّقة لكي تشرح لنا مضامينه وأبعاده ، ولكي تضع حدا لتلك الصورة الشائعة عن الطبري والقائلة بأنه مجرد جمّاع « شره » ، و « موضوعي » بسبب اللامبالاة التي يبديها تجاه الأخبار المنقولة « 3 » . في الواقع إنه انتقى وانتخب وحذف ونظّم معلوماته طبقا لمواقفه السياسية والدينية . وقد هدف إلى المصالحة بين المسلمين على أساس زيديّته

--> ( 1 ) نقول هذا الكلام ونحن نفكّر ليس فقط بالمعايير الأخلاقية - الفقهية والشعائرية ، وإنما أيضا بكل الإنجازات الثقافية التي تميّز بها مناخ الحياة الإسلامية . ( 2 ) هذا المصطلح « أنتربولوجيا الماضي » passe du lanthropologie ، استعرناه من المؤرّخ الفرنسي جورج دوبي . وهو يعني دراسة التاريخ الماضي كما يدرس علماء الأنتربولوجيا المجتمعات المعاصرة ، أي من كل جوانبها المادية والفكرية . ( 3 ) هناك طبعة ثانية من تفسير الطبري في طور التحقيق والنشر حاليا في القاهرة ، وهي من إعداد محمود محمد شاكر . وقد صدر منها منذ عام 1954 وحتى الآن 25 جزءا . وقد أعلن المحقّق في الجزء السادس عشر عن إصدار مؤلّف جامع عن تاريخ المصحف . وسوف يتمّ تأليفه اعتمادا على الدراسة الدقيقة لسلاسل الإسناد التي استخدمها الطبري . انظر بهذا الصدد الجزء السادس عشر ، ص 452 - 454 . وعندما نراقب الشروحات الغزيرة التي رافقت النصّ في الأجزاء الستة عشر المنشورة حتى الآن ،